محمد بن جرير الطبري
381
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
صلى الله عليه وسلم أنه مهما بدل حكما أو غيره أو لم يبدله ولم يغيره ، فهو آتيه بخير منه أو بمثله . فالذي هو أولى بالآية إذ كان ذلك معناها ، أن يكون إذ قدم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع ، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير . فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ قوله : أو نترك نسخها ، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس . مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت ، فهو يشتمل على معنى الإِنساء الذي هو بمعنى الترك ، ومعنى النساء الذي هو بمعنى التأخير ، إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك . ننسها وقد أنكر قوم قراءة من قرأ : " أو تنسها " إذا عني به النسيان ، وقالوا : غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرآن شيئا مما لم ينسخ إلا أن يكون نسي منه شيئا ثم ذكره . قالوا : وبعد ، فإنه لو نسي منه شيئا لم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه بجائز على جميعهم أن ينسوه . قالوا : وفي قول الله جل ثناؤه : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ما ينبئ عن أن الله تعالى ذكره لم ينس نبيه شيئا مما آتاه من العلم . قال أبو جعفر : وهذا قول يشهد على بطوله وفساده الأَخبار المتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنحو الذي قلنا . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : حدثنا أنس بن مالك : إن أولئك السبعين من الأَنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفيهم كتابا : " بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " . ثم إن ذلك رفع . فالذي ذكرنا عن أبي موسى الأَشعري أنهم كانوا يقرءون : " لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى لهما ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب " ثم رفع ؛ وما أشبه ذلك من الأَخبار التي يطول بإحصائها الكتاب . وغير مستحيل في فطرة ذي عقل صحيح ولا بحجة خبر أن ينسي الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعض ما قد كان أنزله إليه . فإذا كان ذلك غير مستحيل من أحد هذين الوجهين ، فغير جائز لقائل أن يقول ذلك غير جائز . وأما قوله : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ فإنه جل ثناؤه لم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه ، وإنما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه ، فلم يذهب به والحمد لله ؛ بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه ، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه ، وقد قال الله تعالى ذكره : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فأخبر أنه ينسي نبيه منه ما شاء ، فالذي ذهب منه الذي استثناه الله . فأما نحن فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى ، لا إنكار أن يكون الله تعالى ذكره قد كان أنسى نبيه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله . القول في تأويل قوله تعالى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها . اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ، فقال بعضهم بما : حدثني المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها يقول : خير لكم في المنفعة وأرفق بكم . وقال آخرون بما : حدثني به الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال :